الشيخ محمد علي الأنصاري
446
الموسوعة الفقهية الميسرة
ثمّ جاء أصحاب الثوري وقالوا : « إنّ صاحبنا حصر عن كلامك ولم تحضره حججه ، فقال لهم : فهاتوا حججكم . . . » « 1 » ، ثمّ ذكروا جملة من الآيات ، فأجاب الإمام عليه السّلام عمّا تمسّكوا به في كلام طويل . ثانيا - تزكية النفس بمعنى توصيفها بالمحاسن : من الصفات المذمومة عند المتديّنين والأخلاقيّين ، بل عامّة عقلاء العالم ، هو مدح الإنسان نفسه ، ولذلك قيل لحكيم : ما الذي لا يحسن وإن كان حقّا ؟ فقال : « مدح الرجل نفسه » « 2 » ، نعم لا بأس به عند الاضطرار - كما سيأتي - لكن مع الاختيار وعدم الحاجة يقبح أن يقوم الإنسان بتزكية نفسه ، وقد ورد بذلك من الكتاب والسنّة نصوص ، فمن ذلك : قوله تعالى : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى « 3 » . وجاء في تفسير الآية عن أبي عبد اللّه عليه السّلام هو : « قول الناس : صلّيت البارحة ، وصمت أمس ونحو ذلك » . ثمّ قال عليه السّلام : « إنّ قوما كانوا يصبحون فيقولون : صلّينا البارحة وصمنا أمس ، فقال علي عليه السّلام : لكنّي أنام الليل والنهار ولو أجد بينهما شيئا لنمته » « 1 » . والخليق بالإنسان المؤمن والعاقل أن لا يغترّ بتزكية الناس له ، بل يصغّر نفسه ويمنعها من الغرور ، ويخاف ممّا يقال له ، كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في أوصاف المتّقين : « إذا زكّي أحد منهم خاف ممّا يقال له ، فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربّي أعلم بي منّي بنفسي ! اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل ممّا يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون » « 2 » . وكم من انزلق وسقط في المهاوي ؛ إذ أعجبته نفسه أو أعجبه تزكية الناس له ، والتاريخ من ذلك مليء .
--> ( 1 ) فروع الكافي 5 : 65 - 70 ، كتاب المعيشة ، الباب الأوّل ، الحديث الأوّل . ( 2 ) معجم مفردات القرآن الكريم ( للراغب الإصفهاني ) : « زكا » . ( 3 ) النجم : 32 . 1 معاني الأخبار : 243 ، باب معنى التزكية التي نهى اللّه عنها . 2 نهج البلاغة : 304 - 305 ، الخطبة 193 ، المعروفة بخطبة المتقين أو خطبة همّام ، وهو الذي طلب من الإمام علي عليه السّلام أن يصف له المتقين ، فاعتذر له أوّلا ، ولكنّه أصرّ في الطلب ، فذكر الإمام أوصافهم ، فصعق همّام صعقة كانت فيها نفسه .